مصطفى صادق الرافعي
112
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
مذاهب تربية الأمم ؛ ولا هو كان طباقا لروح الأخلاق التاريخية فيهم التي تظهرها العادات على كل دين وشريعة وسياسة ، إذ كانت ميراث الدهر ، وكانت مستقرة على عرق سار ؛ وفي كل شبه نازع ، وكانت روح المجموع لا تكون إلا منها ، ولا تعرف إلا بها ولا تظهر إلا فيها فما عدا أن سفّه أحلامهم ، ونكّس أصنامهم ، وأزرى عليهم وعلى آبائهم الأولين ، وقام على رؤوسهم بالتقريع والتأنيب ، وهم أهل الحمية والحفاظ ، وأهل النفوس التي تصبّ كالمعاني في الألفاظ ؛ ثم ذهب بطريقة كانت لهم معروفة ، وعادات كانت لهم مألوفة ، وأرسلهم في طريق العمر إلى الفناء فكأنما طلع بهم من أولها ، وكأنهم بعد ذلك على آدابه نشئوا وهم أغفال وأحداث ، بل كأنهم سلالة أجيال كان القرآن في أوليتهم المتقادمة ، فكانوا هم الوارثين لا الموروثين ، والناشئين لا المنشئين ، مصداقا للحديث الشريف : « خير القرون قرني ثم الذي يليه » . ولعمرك إن هذا لعجيب ، وليس أعجب منه إلا أن أول جيل أنسل من هؤلاء القوم كان هو الذي تناول مفتاح العالم فأداره في أقفال الأرض « 1 » وقد خرج للغاية التي جاء بها القرآن وكأنه دار معها في الأصلاب دهرا طويلا حتى أحكمته الوراثة الزمنية ، وردت عليه من الطباع ما لا يتهيأ إلا في سلالة بعد سلالة ، وجيل بعد جيل ، من قوم قد مروا منذ أولهم في أدوار الارتقاء على سنن واضح وطريق نهج ، لم ينتقض لهم في أثناء ذلك طبع من طباع الاجتماع ، ولا رذلت شيمة ، ولا التوت طريقة ، ولا سقطت مروءة ، ولا ضلّ عقل ، ولا غوت نفس ولا عرض لهم بغي ، ولا أفسدتهم عادة . وأين هذا كله أو بعضه من قوم كانوا بالأمس عاكفين على الأوثان فأكل بعضهم بعضا ، ولهم العادات المرذولة ، والعقائد السخيفة ، والطباع الممزوجة ، إلى غيرها مما يحمل عليه الإفراط فيما زعموه فضيلة : كحمية الأنف ، واستقلال النفس ، وما كان من عكس ذلك : كالتسليم للعادة والانقياد لطبيعة التاريخ ، والمضي على ما وجدوا ، ثم الموت على ما ولدوا ؟ . لا جرم أن في ذلك سرا من أسرار الفطرة ، فلولا أن أكبر الأمر بينهم كان للفصاحة وأساليبها ، بما استقام لهم من شأن الفطرة اللغوية وما بلغوا منها كما فصلناه في بابه ، حتى صارت هذه الأساليب كأنها أعصاب نفسية في أذهانهم ، تنبعث فيها الإرادة بأخلاق من معاني الكلام الذي يجري فيها . وتعتزهم على أخلاقهم وطباعهم فتصرفهم في كل وجه ، كأنها إرادة جبار معتزم لا يلوي ولا يستأني ولا يتئد . . . ولولا أن القرآن الكريم قد ملك سرّ هذه الفصاحة وجاءهم منها بما لا قبل لهم
--> ( 1 ) كناية عن الممالك التي افتتحوها ، وقد بلغوا في ثمانين سنة ما لم يبلغه شعب من شعوب العالم في ثمانمائة سنة .